بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
كما هو معلوم بالنسبة للمتابعين القدامى للمدونة فقد سبق لي قبل سنوات نشر مقال بعنوان : تسؤلات بخصوص الآية 39 من سورة إبراهيم...قمت من خلاله بطرح شكوكي بخصوص التحريف النصي للآية وتبديل اسم يعقوب
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ
بإسماعيل
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) سورة إِبراهيم
بناء على مجموعة من المعطيات التي كانت تصب كلها في نفس الإتجاه الذي يوحي بصحة فرضية التحريف النصي الذي لم يعد يطرح اشكالا لمن أدرك حقيقة عدم صمة المصاحف واحتوائها على عدد من الأخطاء كما سبق التفصيل في أكثر من مناسبة
وكما عودتكم في هذا المنبر فقد كنت ولا أزال حريصا على عرض كل مستجد والتراجع عن أية فكرة أو معلومة في حالة ثبوت خطئها...فما بالك إن تعلق الأمر بموضوع حساس وشديد الخطورة كمسألة التحريف النصي للمصاحف الذي كنت دائم الحرص على طرحه من باب التأني والحذر بهدف السعي إلى الحقيقة...دون الوصول لدرجتي اليقين والجزم
ومن بين الوسائل التي سخرها الرحمن لحفظ الذكر والحسم في مثل هذه الإختلافات والتي سبق لي الإشارة إليها وإلى أهميتها في أكثر من مناسبة مسألة الآيات العددية
التي يصر البعض على تجاهلها واعتبارها مجرد أقرام بدون فائدة كأن الله وحشاه سيقوم بصياغة كتابه العظيم خصيصا للتوصل إلى هذه الأعداد بعد قرون من تنزيل القرآن لمجرد زخرفة الكتاب ! ولعل أبرز مثال موضوع إسرائيل التي كانت للآيات العددية كلمة الحسم في تحديد هويته الحقيقية ومختلف تعريفاته في كتاب الله العظيم
الموضوع الذي لم أكن أتصور أنه سيقودني إلى حسم الإختلاف بخصوص نص سورة إبراهيم...من خلال أحد المستجدات التي قامت في نفس الوقت بتعزيز قناعتي بصحة الأسماء الثلاثة التي قمت بنسبها لشخص إسرائيل بالأخص إسماعيل ولقمان كون فرضية عمران أصبحت من المسلمات الشبه مؤكدة بتكرار وشدة وضوح الأدلة التي تربطه بكل من ابنته مريم واسم إسرائيل المرموز إليه في القرآن بكل من الرقم 17
والرقم 43 عدد مرات تكرار اسمه في القرآن
وهو ما دفعني إلى التساؤل ؟ إذا كان اسم إسرائيل قد تكرر 43 مرة في كتاب الله فالمنطق يفرض تكرار مجموع باقي أسمائه (في حالة صحة الطرح) بثاني الأعداد المرتبطة به في القرآن ؟ فإن لم أتوصل إلى النتيجة المتوقعة فلن يغير ذلك شيئا مما سبق اكتشافه من بينات عددية....وإن ثبت العكس فسيزيد في تعزيز قناعتنا بخصوص فرضيتي إسماعيل ولقمان....لأصطدم بالمعطى الذي لم يكن في الحسبان بتكرار مجموع الأسماء الثلاثة 16 مرة بالضبط بفارق عدد واحد فقط عن الرقم المتوقع عند تجاهل الآية 39 من سورة إبراهيم المثيرة للريبة
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) سورة إِبراهيم
لتنقلب الأمور رأسا على عقب وتعود إلى الواجهة هذه الآية التي طالما أثارت الشكوك....وتتحول إلى القطعة المكملة لهذه الآية المبهرة
التي يمكن اعتبارها أقوى دليل على كون إسماعيل ولقمان من أسماء إسرائيل....وهو ما وضعني أمام الإحتمالات التالية
أولها وأبسطها هو صحة القراءة الموروثة لنص الآية وبطلان شكوكي السابقة بخصوصها
الإحتمال الثاني أن تكون القراءة الموروثة خاطئة وأن اختلاف مجموع الأسماء بفرق عدد واحد فقط عن العدد المتوقع مجرد صدفة في كتاب الله الذي لا مجال فيه للصدفة
أن تكون القراءة خاطئة والدلالة العددية صحيحة وأن هناك اسم خامس لابن نوح ذكر مرة وحيدة في القرآن وقد خطر ببالي اسم عزير
اعتماد القراءة الخاطئة لستهيل المهمة على عامة الناس الغير مطلعة بالضرورة على مسألة التحريف النصي...الذي يبقى احتمال جد مستبعد صراحة ولا يليق بأسلوب كلام وكتاب الله الحق الذي لا يأتيه الباطل...وأيضا لأنه سبق وثبت اعتماد الآيات العددية بالذات لتصحيح أخطاء النساخ وليس العكس وبالذات في موضوع إسرائيل
ولأن لا مجال للظن والصدف في كتاب الله فقد جاء الجواب سريعا لتعزيز الحالة الأولى وصحة القراءة الموروثة بآية إضافية تكررت فيها نفس الدلالة العددية عند حساب مجموع عدد حروف نفس الأسماء الثلاثة والتي بطبيعة الحال يستحيل أن تكون من باب الصدفة
ليتم بفضل الله وإحكامه لآياته والإحالة إلى حقيقة واحدة ثابتة بالحسم في مختلف الفرضيات...وقفل باب الشك قبل تفشي الخطأ وشيوع فكرة تبديل اسم يعقوب بإسماعيل...التي لم تأتي من فراغ بل من إيحاء ظاهر بعض النصوص التي وجب إعادة النظر إليها من زاوية مختلفة...وأخص بالذكر نقطة الإختلاف الكبرى والفرق بين الوهب المذكور في سورة إبراهيم المقتصر على إسماعيل وإسحاق والمتجاهل ليعقوب
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ (39) سورة إِبراهيم
والنصوص التي اختصت بالذكر وهب إسحاق ويعقوب من دون إسماعيل
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ (27) سورة العنكبوت
والتي منها من ورد في سياق ذكر فيه اسماعيل بشكل منفصل
وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ (54) سورة مريم
مع أنبياء آخرين
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ (85) سورة الأنبياء
بل حتى مع نسل مختلف
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ (84) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا (86) سورة الأَنعام
والذي لا يدع مجلا للشك في عدم إنتماء إسماعيل لآل إبراهيم
وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48) سورة ص
حتى قبل اكتشاف حقيقة أنه هو نفسه إسرائيل...خصوصا عند الإطلاع على تفاصيل البشرى بإسحاق وحالة التعجب والإستغراب من فكرة إنجاب إبراهيم على الكبر سواء من طرف والدة إسحاق
قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) سورة هود
أو إبراهيم نفسه
قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) سورة الحجر
وحتى في رد الملائكة
قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55) سورة الحجر
التي توحي بعدم استجابة دعوة إبراهيم وإنجابه قبل إسحاق
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) سورة الصافات
وبالتالي وجب البحث عن نقطة الإختلاف من خلال مقارنة السياقات التي وردت فيها النصوص...وأول ملاحظة هي ورود معلومة وهب إسحاق ويعقوب في إطار سرد الرحمن لقصة إبراهيم المنقضية في زمن تنزيل القرآن
وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا (84) سورة الأَنعام
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) سورة مريم
وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ (27) سورة العنْكبوت
وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) سورة الأنبياء
عكس نص سورة إبراهيم الذي كان مجرد نقل لدعائه في مرحلة من حياته
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) سورة إِبراهيم
لا يشمل ما حدث لاحقا...والذي نستطيع تشبيهه باستغفاره لأبيه الذي ذكر في أكثر من موضع قرآني
وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) سورة الشعراء
قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) سورة مريم
إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ (4) سورة الممتحنة
قبل أن يتم التأكيد على تراجع إبراهيم عن موقفه في مرحلة لاحقة من حياته
وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ (114) سورة التوبة
وهو ما يفسر غياب يعقوب عن المشهد في سياق سورة إبراهيم لوقوع الحدث في الغالب قبل إنجابه...ليبقى السؤال المطروح لماذا اختار الله أن يذكر لنا قول إبراهيم في هذه اللحظة بالذات من حياته ؟ ببساطة لأنها كانت من اللحظات المحورية التي كوفئ فيها بجعله إماما للناس
قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) سورة البقرة
بعد نجاحه في جميع الإمتحانات التي ابتلاه بها من الرحمن
وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ (124) سورة البقرة
آخرها ابتلاء ذبح إسحاق
وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) سورة الصافات
ولنا في وصف إسحاق بوحيد إبراهيم في حادثة الذبح في نص التناخ
سفر التكوين إصحاح 22
2 فَقَالَ: «خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ».
الذي أعتبره شخصيا من بقايا التوراة الحقيقية التي لم يتم طمسها....شاهد إضافي على عدم إنجاب يعقوب بعد خلال هذه الفترة التي بدأ فيها إبراهيم مهمة تطهير وتوسيع البيت الحرام بمساعدة إسماعيل
وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) سورة البقرة
عندما بدأ الناس يعمرونه ويحجونه إليه بعدما كان مجرد بيت صغير يقيم فيه إبراهيم
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخَذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى (125) سورة البقرة
وأهله
قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73) سورة هود
وهو ما يجيب على التساؤل الذي طرحته في المقال السابق عن سبب تأخير عملية ترميم البيت حتى بلوغ إبراهيم الشيخوخة بدل القيام بذلك في عز شبابه عند هجرته ؟
قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) سورة الأنبياء
ببساطة لأنه لم يكن هناك دافع لتوسيع البيت قبل جعل إبراهيم إماما ودعوته للناس للحج
وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) سورة الحج
ويكفي النظر إلى تكرار نفس الدعاء الوارد في نفس السياق
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) سورة البقرة
في سياق سورة إبراهيم المعنية بالأمر
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) سورة إِبراهيم
لإدراك أننا في نفس الفترة وأن إسماعيل بالفعل قد وهب لإبراهيم على الكبر كنبي مساعد وأنه لم يكن متواجدا في المسجد الحرام ويلتقي إبراهيم مباشرة بعد هجرته...لهذا السبب أكدت في طرحي السابق بخصوص فرضية التحريف على ضرورة على عدم المسارعة في التسليم المطلق في مثل هذه الحالات لعدم إلمامنا التام بلسان القرآن...كما جعل البعض من قراءتهم الإصطفائية المختلقة لقواعد لا أساس لها في الكتاب حقيقة مطلقة وجازمة بأن إسماعيل ولد إبراهيم.....كدعوى تعلق إسماعيل وإسحاق بنفس الهبة وأنه كان يستلزم ذكر مصطلح الوهب مرتين لو كانت هبة إسماعيل غير متعلقة بالإنجاب دون تقديم أي مثال مشابه من القرآن
وهنا أتساءل كيف سيكون شكل النص لو قيل ذلك بالفعل ؟!
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ نَبِيًّا وَوَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْحَاقَ وَلدًا إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ
وأصلا لما تكرار نفس مصطلح الوهب الدال على العطاء الشامل لكلتا الحالتين ؟
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ نَبِيًّا وَإِسْحَاقَ وَلدًا إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ
وهنا تكمن أهمية أسلوب الحذف الذي يجنب الإطالة في ذكر البديهيات
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) سورة إِبراهيم
سواء استعمل في قول إبراهيم الأصلي أو تمت إضافته في لسان القرآن كون جنس الوهب شامل لجميع أنواع العطاء التي لا حاجة لذكرها في حالة علمها من طرف المخاطبين في زمن البعثة...ونفس الخطأ كرره في قراءته لقول
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) سورة الأنبياء
الذي زعم فيه اختلاف الهبة في حالة اقتصار النافلة على يعقوب من دون إسحاق ولزوم قول
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَوَهَبْنَا لَهُ يَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ
الذي يجب أن يكون كالآتي في حقيقة الأمر لو طبقنا منطقه
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ إِسْتِجَابَةً وَوَهَبْنَا لَهُ يَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ
ضاربا المثل ببعض الحالات التي ارتبط فيها الوصف بجميع الكلمات المعطوفة
مع إغفال النصوص النافية لقراءته كنص سورة النساء الذي لم يتم فيه الفصل بين الإسمين المعطوفين رغم الإختلاف الكبير بين طاعة الرسول المطلقة
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80) سورة النساء
وطاعة أولي الأمر القابلة للتنازع
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ (59) سورة النساء
وقول
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأَطِيعُوا أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ
والسبب إستعمال أسلوب الحذف للتخفيف وعدم تكرار الأمر بالطاعة ثلاثة مرات في نفس الجملة
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ(أَطِيعُوا) أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (59) سورة النساء
وبالتالي لا يمكن بناء قناعات على الرؤية الضيقة لبعض النصوص التي تحتمل استخدام أسلوب الحذف
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ (إِسْتِجَابَةً) وَ(وَهَبْنَا لَهُ) يَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) سورة الأنبياء
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ (نَبِيًّا) وَ(وَهَبَ لِي) إِسْحَاقَ (وَلدًا) إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) سورة إِبراهيم
وتجاهل الدلائل الصارخة التي تنفي أبوة إبراهيم لإسماعيل...والأعجب من ذلك أنه لم يجد حرجا في مناقضة نفسه وحصر عبارة إن ربي لسميع الدعاء في إسماعيل فقط من دون إسحاق في نفس النص !
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) سورة إِبراهيم
هذا ما يحدث عندما تطغى الفكرة المسبقة والإيديوولجيات القومية والسياسية على التدبر
الذي يجب أن يكون خالصا لوجه الله أن يحيد الإنسان عن أوضح الواضحات
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) سورة الأنبياء
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) سورة إِبراهيم
ويتشبث بنفس الأفكار الموروثة التي تغذي التفرقة والعداوة والتي جعلت من نفس الشخص أبوين مختلفين لأمتين متصارعتين منذ قرون...ويبقى التدبر المحايد الهادف إلى الحقيقة ولا شيء غيرها هو السبيل الوحيد للحد من حالة الإختلاف والتخبط بين مختلف الباحثين في المجال الذين يصر عدد منهم على التشبث بنفس القناعات والقراءات الخاطئة وتجاهل كل ما يعترضها من مستجدات وبينات قرآنية...لأن العيب ليس في الخطأ عندما يساهم في التطور والتصحيح بل في الإصرار على الخطأ حتى عند بيان الحجة
ويبقى العلم لله سبحانه وتعالى
إن أخطأت فمن نفسي وإن أصبت فمن العزيز العليم
تعليقات
إرسال تعليق