الأربعاء، 27 يناير 2016

هل نزلت التوارة على موسى أم على نبي آخر ؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ


من المسلمات الدينية و التاريخية التي ورثناها من التراث اليهودي المسيحي أن التوراة هي الخمس الأسفار الأولى التي نزلت على النبي موسى من ما يطلقون عليه إسم الكتاب المقدس أو bible و هو كتاب مكون من مجموعة أسفار عبارة عن كتابات لحوالي ثمانية و أربعون نبي من بني إسرائيل في العهد القديم بالإضافة للأناجيل المسيحية الأربعة و كتابات بقية رسل المسيحية التي لا يعترف بها اليهود و في نفس الوقت نجد السامريين طائفة أخرى من بني إسرائيل لها توراة خاصة مكونة من نفس الأسفار الخمس الأولى من كتاب اليهود سفر التكوين و سفر الخروج و سفر اللاويين و سفر العدد و سفر التثنية
لكن هل سأل المسلمون أنفسهم في يوم من الأيام هل هذه هي الحقيقة بالفعل و هل تؤكد نصوص القرآن هذه الحقيقة أم تنفيها ؟ 
أول ملاحظة في نصوص القرآن عدم وجود أي نص يشير لنزول التوراة على موسى فقد إكتفت جميع الآيات بذكر تلقيه للكتاب دون تحديد إسم هذا الكتاب
وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53)  سورة البقرة
وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2)  سورة الإسراء
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117)  سورة الصافات
على عكس عيسى بن مريم الذي أكدت النصوص في أكثر من مناسبة على تلقيه للإنجيل
ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27)  سورة الحديد 
 وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46)  سورة المائدة
و في المقابل نجد ذكر التوراة ككتاب أنزل و حكم به النبيون
 إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)  سورة المائدة
و يبقى السؤال المحير لماذا لا نجد آية واحدة تقول و آتينا موسى التوراة ؟ في حقيقة الأمر هذا السؤال يفتح المجال أمام العديد من الفرضيات من بينها أن التوراة أقدم من موسى خصوصا عندما نقرأ مثل هذه الآية
 وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53)  سورة غافر
فهل ورث بنو إسرائيل التوراة من قوم قبلهم في زمن موسى ؟ فعلى من أنزلت التوراة إذن ؟ الشيء الأكيد أن الوحي الكتابي بدأ مع إبراهيم
إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)  سورة الأعلى
و في نفس الوقت تؤكد النصوص أن التوراة لم تنزل على إبراهيم 
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65)  سورة آل عمران
مما يفتح باب إحتمال نزول التوراة على الأنبياء الذين بعثوا ما بين حقبتي كل من إبراهيم و موسى في نص الآيتين
 قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)  سورة البقرة
قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)  سورة آل عمران
 و الدليل على أن المقصود هنا هو الوحي المكتوب عدم ذكر ما أنزل على الأنبياء قبل إبراهيم الذين إقتصر ما تلقوه من وحي على الذكر و ليس الكتاب مما يعني أن كل نبي مذكور في نص الآيتين قد تلقى كتابا
طبعا هذه الحقيقة تم طمسها في التراث اليهودي المسيحي الذي زعم أن أول نبي تلقى الكتاب هو موسى حتى ينسبوا الكتاب و التوراة لبني إسرائيل 
لكن الحقيقة أن موسى و بني إسرائيل قد ورثوا الكتاب من آل يعقوب كما تشهد العديد من النصوص اليهودية رغم سعيهم لإخفاء الحقيقة
سفر التثنية إصحاح 33
1  وَهَذِهِ هِيَ البَرَكَةُ التِي بَارَكَ بِهَا مُوسَى رَجُلُ اللهِ بَنِي إِسْرَائِيل قَبْل مَوْتِهِ 2  فَقَال: «جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سِينَاءَ وَأَشْرَقَ لهُمْ مِنْ سَعِيرَ وَتَلأْلأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ وَأَتَى مِنْ رَبَوَاتِ القُدْسِ وَعَنْ يَمِينِهِ نَارُ شَرِيعَةٍ لهُمْ. 3  فَأَحَبَّ الشَّعْبَ. جَمِيعُ قِدِّيسِيهِ فِي يَدِكَ وَهُمْ جَالِسُونَ عِنْدَ قَدَمِكَ يَتَقَبَّلُونَ مِنْ أَقْوَالِكَ. 4  بِنَامُوسٍ أَوْصَانَا مُوسَى مِيرَاثاً لِجَمَاعَةِ يَعْقُوبَ. 
سفر أشعياء إصحاح 9
8  أَرْسَلَ الرَّبُّ قَوْلاً فِي يَعْقُوبَ فَوَقَعَ فِي إِسْرَائِيلَ.
فكل المؤشرات توحي أن التوراة قد نزلت على يعقوب أو إبنه يوسف و على ما يبدو أن من هنا خرجت للوجود فكرة أن يعقوب هو إسرائيل للربط كليا بين آل يعقوب أصحاب التوراة و بني إسرائيل ورثتها كما سبقت الإشارة في موضوع
النبي يعقوب ليس إسرائيل
حيث توجد العديد من النصوص توحي أن بني إسرائيل هم ملوك مصر الذين أرسل إليهم يوسف
وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)  سورة يوسف
قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)  سورة يوسف
فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)  سورة يوسف
فالسيناريو القريب لتسلسل الأحداث أن الله تعالى هيأ الأسباب ليرسل يوسف إلى بني إسرائيل في مصر فنزلت عليه التوراة هناك فحكم بها عليهم حتى جاء فرعون الذي اطاح بهم من حكم البلاد و إستعبدهم
قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34)  سورة النمل
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)  سورة القصص
إلى أن بعث الله تعالى موسى ليخرجهم من عبودية فرعون و قومه و يكلفهم بحمل الرسالة إلى زمن بعثة النبي الخاتم 
و ظلت التوراة تنزل بالتدريج على أنبياء بني إسرائيل
 إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)  سورة المائدة
 بما فيهم موسى الذي يعتبر كتابه جزء من التوراة و ليس مجمل التوراة و بالتالي فإن التوراة الحقيقية هي كل ما نزل على بني إسرائيل من كتاب و الذي تم إستنساخه إلى ما يسمى بالعهد القديم و ليس كتب موسى فحسب 
و في غياب معلومات يقينية و نصوص واضحة تؤكد هوية النبي الذي بدأ معه نزول التوراة فيبقى هذا التفسير هو الأقرب للواقع و للتسلسل القرآني و الله تعالى أعلم