هل كانت للرسول محمد معجزات حسية ؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ


هل كانت للرسول محمد معجزات حسية ؟ سؤال حير الكثيرين فهناك أصحاب الروايات المذهبية الذين قاموا بنسب مجموعة من المعجزات الخرافية و الكاذبة للنبي ليضاهوا بها معجزات الأنبياء السابقين كتنبؤه بقتلى غزوة بدر  و إهتزاز جبل أحد و خروج الماء من بين أصابعه و إضاءة المدينة لقدومه و ظلامها عند وفاته ألخ في المقابل هناك طائفة ممن أنكروا هذه الروايات و ما إحتوته من معجزات مزعومة لمخالفتها منطق القرآن الذي إعتمدوا على نصوصه للوصول إلى حقيقة عدم تأييد الرسول محمد بمعجزات حسية و إستنتاج أن معجزته الوحيدة هي القرآن 
و قد إعتمدوا في طرحهم على بعض الآيات التي أخبرت بطلب قوم الرسول بالآيات أي المعجزات الحسية
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7)  سورة الرعد
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27)  سورة الرعد
و التي رد عليهم الله تعالى من خلالها بأن دور الرسول الأساسي هو إنذارهم و ليس أن يأتيهم بمعجزات و أن هذه المعجزات لم تجدي نفعا مع الأقوام السابقين
 بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6)  سورة الأنبياء
و أن نصوص القرآن و ما فيها من بيان كافية لإقامة الحجة لمن يريد الإيمان
وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (133)  سورة طه
و هذه آية أخرى تؤكد أن الآيات التي لا تجدي نفعا مع من لا يريد الإيمان
وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (58)  سورة الروم
و إنطلاقا من هذه النصوص بنوا معتقدهم على أن الله تعالى لم يؤيد رسوله الكريم بآيات حسية و تناسوا أن القرآن عبارة عن قصة متسلسلة لفترة زمنية طويلة شهدت عدة تغيرات حسب تطور الأحداث و لفهم القصة كاملة وجب الرجوع لجميع النصوص و ليس الإكتفاء بالبعض و الذي يروي فقط جزء منها خصوصا أن الآيات التي يستشهدون بها رغم كونها لا تؤكد وجود معجزات حسية في عصر الرسول محمد فإنها لا تنفي حدوثها مستقبلا و بالتالي فإستنتاجهم مبني على الظن و ليس على اليقين  خصوصا أننا نلاحظ أن بعض الآيات تركت المجال مفتوح على إحتمالية حدوث مثل هذه المعجزات
وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (20)  سورة الرعد
فهنا نجد أن الله قد أمرهم بإنتظارها و أن الغيب لا يعلمه إلا الله ؟ كما أخبرهم أن الرسل لا تأتي بالمعجزات إلا بعد إذن ربها
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38)  سورة الرعد
لكن تبقى السورة الأكثر وضوح و بيان في هذه المسألة هي سورة الأنعام حيث بدأت برفض قوم الرسول لكل آية كانت تأتيهم و هنا لا يمكن الجزم أن معنى الآيات هو المعجزات الحسية حيث يقبل هذا النص  إحتمال الآيات القرآنية نفسها 
وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4)  سورة الأنعام 
لكن تسلسل الأحداث يوحي أن هذه الآيات كانت بالفعل آيات قرآنية كان يكفرون بها
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25)  سورة الأنعام 
و هنا يجب الإشارة إلى أن معنى الرؤية في القرآن لا يعني بالضرورة النظر و يشير أيضا إلى المعرفة كمعرفة الرسول لأحداث من الغيب
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246)  سورة البقرة
فعندما تذكر النصوص عبارة و إن يروا كل آية فلا مشروطا أن أن تكون آيات حسية
ثم إنتقلت الأحداث لتصف لنا ضيق الرسول من كفر قومه و طلبهم المستمر له بالآيات الحسية
وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)  سورة الأنعام 
ثم رد الله عليهم بأنه قادر على الإستجابة لطلباتهم و أن ينزل عليهم آية
وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37)  سورة الأنعام  
فكان ردهم على ذلك بالتأكيد على أنهم سيؤمنون لو تمت الإستجابة لطلبهم
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109)  سورة الأنعام 
فأخبر القرآن أنهم مجرد كاذبون و أنهم سيكفرون بالآيات الحسية عند مجيئها و مطالبتهم بأن ينزل الله الوحي عليهم شخصيا
وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124)  سورة الأنعام 
و الملاحظ أن في كلتا الآيتين إستعمل إسم الشرط إذا إِذَا جَاءَتْ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ في تأكيد على حدوث الأمر و مجيء هذه الآيات الحتمي  و تعتبر هذه  النصوص تنبأ صريح بحدوث آيات حسية في المستقبل
فهل هناك أية إشارة لحدوث مثل هذه الآيات الحسية في نصوص القرآن؟
بطبيعة الحال هناك معجزات حسية حدثت في زمن الرسول كالدخان الذي تنبأ القرآن عن قدومه من السماء و تعذيبه لقوم الرسول
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16)  سورة الدخان
فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59)  سورة الدخان
حيث تتحدث الآيات عن دخان سيأتي من السماء و يعذب قوم الرسول و سيجعلهم يؤمنون إيمانا مؤقتا سيزول مع زوال الدخان لينتقم منهم الله تعالى بعذاب نهائي قاتل أسماه البطشة الكبرى و قد نزلت آيات أخرى في خضم هذا العذاب تؤكد حدوثه
وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75) وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77)  سورة المؤمنون
و لتفاصيل أكثر يمكن العودة لموضوع
هناك معجزة حسية أخرى ذكرها القرآن و المتمثلة في الريح التي أرسلها الله تعالى على المقاتلين الكفار أثناء حرب الأحزاب
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9)  سورة الأحزاب
هناك من يرى أن إنشقاق القمر معجزة حسية حدثت في عصر الرسول بل نجد أصحاب المذاهب قد حولوها إلى خرافة و حرفوا معنى الإنشقاق إلى الإنفلاق و إدعوا أن القمر قد إنقسم إلى قسمين و لم يلاحظ ذلك في العالم بأسره سوى كفار قريش ؟
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2)  سورة القمر
صحيح أن الآية تخاطب قوم الرسول لكن إستعمالها لأداة الشرط إن وَإِنْ يَرَوْا آيَةً التي تشير للإحتمال و ليس الحتمية يجعل حضور قوم الرسول لهذه الظاهرة مجرد إحتمال مثل إحتمال أن تأتيهم الساعة الذي لم يتحقق بعد إلى يومنا هذا
قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40)  سورة الأنعام
و يبقى الأقرب للواقع أن حادثة إنشقاق القمر حدث مستقبلي منذر بقرب قيام الساعة
قد يتساءل البعض لماذا لم يركز القرآن كثيرا على تفاصيل معجزات الرسول محمد مثل تفصيله لمعجزات الأنبياء السابقين بكل بساطة لأن هذه المعجزات قد رأها كل من عاصر النبي محمد بعينه أو سمع عنها و بالتالي لا حاجة لتكرارها في الآيات عكس تفاصيل المعجزات السابقة التي يعد ذكر القرآن لأدق تفاصيلها نوع من أنواع الغيب و حجة على من لديه علمها و بالأخص الذين أوتوا الكتاب
تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)  سورة هود
فمن الخطأ الإعتقاد بأن الرسول محمد لم تكن له معجزات حسية لكن القرآن لم يركز عليها لأنها لم تكن معجزة سوى بالنسبة لزمانه و من عاصره و تبقى المعجزة الأكبر في تاريخ جميع الأنبياء هي القرآن الذي تزيد معجزاته كلما تطور الزمن

تعليقات